تاريخ معالجات Intel: من شريحة 4 بت إلى قلب الحواسيب الحديثة
في كل مرة تشغّل فيها حاسوبًا أو تلعب لعبة أو تبحث على هاتفك، يعمل معالج مركزي (CPU) في الخلفية. المعالج شريحة تقرأ التعليمات وتجري العمليات الحسابية وتحدد الخطوة التالية. على مدى أكثر من ستة عقود كانت Intel من أهم الشركات في تطوير المعالجات. تتبع هذه المقالة هذه المسيرة خطوة بخطوة.
البداية: ثلاثة أشخاص من Fairchild
تأسست Intel عام 1968 في كاليفورنيا على يد Robert Noyce و Gordon Moore، وهما مهندسان من شركة Fairchild Semiconductor. وانضم إليهما بعد ذلك Andy Grove، وهو مهندس ومدير قاد الشركة سنوات طويلة. في سنواتها الأولى صنعت Intel شرائح الذاكرة، ومنحها نجاح هذه المنتجات المال والسمعة اللازمين لدخول سوق شرائح المعالجات.
عام 1971: Intel 4004، أول شريحة معالجة تُباع
بدأت قصة معالجات Intel بجدية عام 1971، عندما طلبت شركة Busicom اليابانية تصميم شرائح لآلة حاسبة. بدلًا من بناء عدة شرائح لوظائف منفصلة، اقترح فريق بقيادة Federico Faggin و Marcian Hoff و Stanley Mazor فكرة أعم: معالج واحد قابل للبرمجة يقرأ التعليمات من الذاكرة وينفذها.
كانت النتيجة Intel 4004، وهي شريحة من 4 بت فيها نحو 2300 ترانزستور، تُصنع بعملية بحجم 10 ميكرومترات، وتعمل بسرعة تصل إلى نحو 740 كيلوهرتز. بمقاييس اليوم كانت بطيئة جدًا، لكن أهميتها في الفكرة: فقد كانت أول شريحة تُباع تجاريًا وتجمع وحدة المعالجة كاملة في قطعة سيليكون واحدة، وكانت بداية عصر المعالجات الدقيقة.
من 1978 إلى 1981: x86 وحاسوب IBM PC
كانت Intel 8086 عام 1978 شريحة 16 بت فيها نحو 29 ألف ترانزستور. اعتمد تصميمها على تعليمات الطرازات السابقة، فصار نقل البرامج إليها أسهل. من هذا النهج ظهرت بنية x86 التي بقيت معيارًا لعقود.
في عام 1981 اختارت IBM للحاسوب IBM PC الشريحة Intel 8088، وهي نسخة بناقل بيانات خارجي من 8 بت. أصبح هذا الحاسوب نموذجًا لأعداد هائلة من الحواسيب الشخصية، ونما النظام البيئي للبرامج المبني على x86 بسرعة.
عام 1985: 386، أول شريحة 32 بت من x86
احتوت Intel 386 على نحو 275 ألف ترانزستور، وأدارت المهام المتعددة بكفاءة، فصارت أنظمة مثل Unix ثم Windows تعمل بصورة أفضل. وجمعت شريحة 486 عام 1989 وحدة الفاصلة العائمة (FPU) والذاكرة المؤقتة (Cache) في شريحة واحدة، فأصبحت أسرع بوضوح.
عام 1993: Pentium وحملة "Intel Inside"
سمّت Intel معالجها التالي Pentium، لأن رقمًا مثل 586 لا يمكن تسجيله علامة تجارية. احتوى أول Pentium على نحو 3.1 مليون ترانزستور. وفي عام 1991 بدأت حملة "Intel Inside" التي طلبت من مصنعي الحواسيب وضع ملصق الشعار على أجهزتهم، فتعرّف كثير من المشترين لأول مرة على اسم المعالج داخل حواسيبهم.
في عام 1994 اكتشف عالم الرياضيات Thomas Nicely أن نتائج قسمة معينة على Pentium كانت خاطئة، وعُرفت المشكلة باسم خطأ FDIV. تأخرت Intel في الرد في البداية، ثم استبدلت الشرائح المتأثرة للعملاء وسجلت تكلفة كبيرة. دفعت هذه الحادثة الشركة إلى الاهتمام أكثر بالاختبار والتواصل الشفاف مع العملاء.
من 2006 إلى 2011: Core وCore i
في عام 2006 قدمت Intel بنية Core المبنية على تصميم معالجات الحواسيب المحمولة، فتحسّن الأداء لكل واط بشكل كبير. وأصبحت Core 2 Duo وCore 2 Quad خيارين شائعين في المنازل والمكاتب. وفي عام 2008 جمع أول Core i7 متحكم الذاكرة داخل الشريحة، واستخدم تقنية Hyper-Threading التي تتيح لنواة واحدة معالجة خيطين في الوقت نفسه. وفي عام 2011 أضافت Sandy Bridge الرسومات إلى المعالج، فصار الحاسوب العادي قادرًا على المهام البصرية البسيطة دون بطاقة رسومات منفصلة.
من 2015 إلى 2021: تحديات التصنيع ومنافسة متغيرة
جاء الانتقال إلى عملية تصنيع 10 نانومتر في Intel أبطأ من المتوقع، فصارت TSMC وSamsung قائدتين في بعض أنواع تصنيع الشرائح المتقدمة. وفي الوقت نفسه عادت AMD منافسًا قويًا منذ عام 2017 بتصميم Zen، فقدّمت عددًا كبيرًا من الأنوية بأسعار منافسة. فاضطرت Intel إلى مراجعة التصميم وخطط التصنيع والتسعير.
في عام 2021 ردّت Intel بمعالجات هجينة مثل Alder Lake تجمع أنوية عالية الأداء (P-cores) وأنوية موفّرة للطاقة (E-cores) في شريحة واحدة. وهذا التصميم يقرّ بأن رفع سرعة الساعة وحده لم يعد كافيًا.
دروس من تاريخ معالجات Intel
- فكرة وضع وحدة المعالجة في شريحة واحدة، التي بدأت بـ 4004، غيّرت طريقة بناء الحواسيب.
- التوافق مع الإصدارات السابقة سمح بتراكم البرامج ونموها، وهذا من أسباب بقاء x86 طويلًا.
- ثقة العملاء والتسويق كانا لا يقلان أهمية عن الأداء التقني.
- عندما وصلت زيادة السرعة إلى حدودها، احتاج المهندسون إلى طرق أخرى للتحسين، مثل زيادة الأنوية والتصاميم الهجينة وتحسين التصنيع.
الخلاصة
من Intel 4004 بنحو ألفي ترانزستور إلى المعالجات الحالية بعشرات المليارات، تاريخ معالجات Intel قصة إعادة اختراع مستمرة في البنية والتصنيع وثقة المستخدمين. وفي كل مرة تشغّل فيها حاسوبك، فأنت تستفيد من نتائج هذا التطور.